من كربلاء إلى تموز... حين تتحول الذاكرة إلى رسالة
الشيخ حسن بدوي – عالم دين وأستاذ في الحوزة العلمية
لا تبدأ الذاكرة دائماً من كتاب، فقد تكفي قصة تُروى داخل
العائلة، أو صورة، أو شهادة شخص عاش الحرب. ومع مرور السنوات وابتعاد الأجيال الجديدة عن الأحداث، يبرز السؤال: كيف ينتقل فكر نشأ في زمن الصراع إلى جيل لم يعش التجربة؟
يشرح الشيخ حسن بدوي أن إيديولوجيا حزب الله والفكر المقاوم تشكّلا في سياق تاريخي ارتبط بالاحتلال الإسرائيلي للبنان والاجتياح عام 1982، إلى جانب التحولات السياسية والاجتماعية في لبنان والمنطقة. وتداخل في هذا الفكر البعد الديني والعقائدي مع الأبعاد السياسية والاجتماعية والميدانية، مرتكزاً على مفاهيم الكرامة، ورفض الاحتلال، والصمود، والتضحية وتحرير الأرض، مع حضور مفهوم ولاية الفقيه كأحد مرتكزاته.
لكن المقاومة، وفق هذه الرؤية، لم تكن عسكرية فقط، بل ارتبطت أيضاً بالعمل الاجتماعي والمؤسساتي، من التعليم والصحة والرعاية إلى مساعدة العائلات وتعزيز الصمود، لتصبح قيم التضامن والتكافل والتضحية جزءاً من التجربة.
وفي عمق هذه الرؤية تحضر كربلاء وثورة الإمام الحسين، بما تحمله من قيم رفض الظلم والتمسك بالكرامة والثبات والتضحية. ومن خلال الأسرة والمجتمع والمؤسسات والخطاب الديني والإعلامي، تنتقل هذه القيم من جيل إلى آخر وتصبح جزءاً من الذاكرة والوعي.
ثم جاءت حرب تموز 2006 لتمنح هذه الأفكار تجربة ملموسة. خلال 33 يوماً، عاش الناس النزوح والدمار والقلق والصمود والعودة، فتحولت الحرب إلى تجربة جماعية تركت أثراً في الذاكرة السياسية والاجتماعية. وبقيت صور الدمار، وشهادات الأهالي، والخطب والتغطيات الإعلامية شاهدة على تلك المرحلة، وتحولت مع الوقت إلى رموز مرتبطة بالصمود والردع والتوازن الاستراتيجي.
هنا برز الإعلام كأكثر من مجرد ناقل للحدث؛ فقد حفظ الصور والتسجيلات والشهادات تفاصيل الحرب، وحوّل التجربة الميدانية إلى مادة يمكن للأجيال اللاحقة العودة إليها لفهمها وسياقها.
لكن الجيل الجديد يتلقى المعلومات بطريقة مختلفة، عبر الهاتف والفيديو والصورة والخريطة والمنصات التفاعلية. لذلك، فإن نقل التاريخ لا يقتصر على سؤال «ماذا حدث؟»، بل يشمل أيضاً «لماذا حدث؟» وكيف عاش الناس التجربة وكيف تشكلت الذاكرة حولها.
ومع تعدد الروايات حول حزب الله وحرب تموز، تصبح الوثائق والمصادر والشهادات ضرورية لبناء أرشيف يساعد المتلقي على الوصول إلى المعلومات ومقارنتها وفهمها ضمن سياقها.
من هنا، يمكن للإعلام الرقمي أن يتحول إلى جسر بين الماضي والجيل الجديد، من خلال أرشيف يجمع الصور والتسجيلات والوثائق والشهادات والخرائط والخط الزمني، ويحوّل التاريخ من مادة ثابتة إلى تجربة قابلة للاستكشاف والتفاعل.
قد لا يعيش الجيل الجديد حرب تموز كما عاشها من سبقه، لكنه يستطيع أن يراها في الصور، ويسمعها في الشهادات، ويقرأها في الوثائق، ويفهم ظروفها وسياقها.
وهكذا، لا تبقى الذاكرة محفوظة في الماضي، بل تصبح قصة تُروى من جديد؛ تنتقل من جيل عاش الحدث إلى جيل يبحث عن معناه، ومن صورة قديمة إلى شاشة رقمية تحملها إلى المستقبل.
تاريخ 2006